قراءة الوجه عبر التاريخ

عرفت البشرية فكرة الربط بين الملامح و السمات الجسدية للفرد و شخصيته منذ قديم الأزل ، و لعل الصينيون القدماء هم اول من قام بقراءة الوجه منذ حوالي 2700 عام فيما يعرف حديثا بالميان شيانج  Mian Xiang  و هو علم قراءة الوجوه الصيني ، فكانو يقرأون الوجه لتشخيص الحالات المرضية  و لمعرفة جوانب الشخصية و أيضا للتنبوء بمستقبل الفرد ، و لازال هذا العلم موجوداً حتى و قتنا الحاضر و قد طرأ عليه القليل من التغييرات ، و هو يختلف في طبيعته و طريقته عن الفيسيونومي ، و سنتعرض لجوانب عدة منه ( فيما يتعلق بمعرفة جوانب الشخصية فقط )  في هذه المدونة إن شاء الله.

قراءة الوجه Mian Xiang
قراءة الوجه Mian Xiang

كما توجد بعض الدلالات على ان المصريين القدماء عرفوا الفراسة في بعضٍ من برديات الاسرة الثانية عشر.

و ذكر الشاعر اليوناني هوميروس (700 ق.م.) و صفا لشخصية ترسيس في ملحمة الإلياذة ما إستدل به من ظاهر اوصافه على أخلاقه الباطنة ، كما ان الفيلسوف اليوناني فيثاغورس (550 ق.م.)  كتب عن عدة قواعد لقراءة الوجه ، وكان يستخدم هذا العلم في مقابلاته الشخصية لقبول تلاميذ جدد في مدرسته.

ثم جاء ابوقراط ابو الطب (400 ق.م.)  ووضع نظريته عن فراسة الأمزجة ، و قسم الأمزجة الى 4 أمزجة تبعاً لكيمياء الدم وهي المزاج الصفراوي و المزاج السوداوي و المزاج الليمفاوي و المزاج الدموي ،  ولكل مزاج صفات وسمات جسدية و طباع و أخلاق مختلفة عن المزاج الأخر.

فراسة الأمزجة
فراسة الأمزجة

و يعتبر اول من كتب كتابا في علم الفيسيونومي هو الفيلسوف اليوناني ارسطو (350 ق.م.) ، فذكر ان للإنسان سمات في وجهه تدل على الصفات المختلفة كالشجاعة و القوة و الجبن و الغباء . . الخ ، و ربط ارسطو بين شكل اوجه الحيوانات و وجه الإنسان ، حيث انه من قارب وجهه وجهاً لأحد الحيوانات فإنه (حسب نظرية ارسطو) يتصف بصفات هذا الحيوان كشجاعة الأسد و قوة الثور و مكر الثعلب و هكذا ، و قد انتشرت هذه النظرية في اوروبا و ترجمت لعدة لغات و كانت اساساً لعدة نظريات و دراسات بعدها في هذا العلم.

قراءة الوجه - نظرية أرسطو
قراءة الوجه – نظرية أرسطو

فلقد كتب الكثير من المفكرين و الفلاسفة كتباً عن الفيسيونومي مستخدمين في ذلك نظرية ارسطو و فراسة الأمزجة لأبوقراط و مجموعة من النظريات الفلسفية و الفيزيائية  منهم مثلاً بولمون و جالين و ماجنوس باكون و أخرون كثيرون.

وكان للعرب نصيبٌ من الفراسة ، فلقد كانت الفراسة علما عربيا قديما توارثته الأجيال في الجاهلية ، و كانت  سراً يورثه الأب لأبنائه و احفاده و لم يدًون منه إلا القليل في وقت متأخر من تاريخ العرب ، فكانت تدّرس بلا كتب ، ومن أشهر من تعلم الفراسة من العرب الإمام الشافعي ، فقد قضى عدة اعوام في اليمن يدرس هذا العلم ، و قد نبغ فيه نبوغاً ظاهراً ، فكان يعرف نسب الرجل و عمره و مهنته و أخلاقه من النظر اليه فقط ، و قد نقل العرب المسلمون علم الفراسة  لاحقاً عن اليونان و الرومان ، و إستفادوا من نظريات ارسطو و أبوقراط ، و الًفوا كتبا مستقلة اصبحت فيما بعد مراجع لعلماء أوروبا في القرون المظلمة الوسطى ، ومن اشهر هؤلاء العلماء العرب :

  • الإمام فخر الدين الرازي (1190 م) –  كتب كتابا عنوانه “كتاب الفراسة
  • الإمام إبن القيم الجوزية  (1320 م) –  كتب كتابا عنوانه “الفراسة
  • شمس الدين محمد بن ابي طالب ساري (1360 م) –  كتب كتابا عنوانه “السياسة في علم الفراسة
  • العارف بالله زين العابدين محمد العمري المرصفي  – كتب كتابا عنوانه  “البهجة الإنسية في الفراسة الإنسانية”

ومعظم هذه الكتب مختصر جدا ولا يشفي غليلاً ، وهي كتب نصية فقط لا تحوي صورا او رسومات توضيحية.

و مع إقتراب القرن الثامن عشر من نهايته  ، قام الشاعر و العالم والفنان النمساوي جون كاسبر لافاتر بعمل بحث مطول عن العلاقة بين ملامح الوجه و القدرات العقلية و الميول الطبيعية للإنسان ، وكان البحث يقوم على نهج علمي مستخدما علم الفسيولوجيا و علم التشريح ، و قام برصد وملاحظة العديد من الوجوه و السمات ، ثم أصدر كتاباً عام (1775 م) بعنوان Essays on Physiognomy  يحتوي على 500 صفحة  و 600 صورة لرؤوس و سمات وجهيه مختلفة لشرح ملاحظاته ، وعلى هذا يعتبر جون كاسبر لافاتر هو ابو علم الفيسيونومي الحديث ، حيث انه قدم اول بحث على اساس علمي يشرح جوانب هذا العلم ،  و قد ترجم هذا الكتاب الى عديد من اللغات ، و اصبح اساسا لهذا العلم بني عليه العديد من النظريات و الأبحاث الى يومنا هذا.

Essays on Physiognomy
Essays on Physiognomy

وضع بيتر كامبر(1780 م) خبير التشريح الالماني نظرية تنص على انه يمكن قياس الذكاء و الرقي  بقياس زوايا الوجه و الجبهه ، وتقاس الزاوية بين خطين يبدأن عند طرف الانف و ينتهيان  عند اسفل الأذن و أعلى الجبهة ، و كلما زادت الزاوية إنفراجا كلما زاد رقي و ذكاء الشخص.

نظرية بيتر كامبر
نظرية بيتر كامبر

وفي بداية القرن التاسع عشر ، قدم العالم فرانز جوزيف جول نظريته عن امكانية معرفة الشخصية من خلال شكل و محيط الجمجمة ، حيث أن شكل الجمجمة يدل على شكل المخ بداخلها ، فأشار جال الى 27 موضعا في الجمجمة ووضح ان هذه المواضع من المخ تعكس سلوكيات و شخصية الفرد ، فقسم الرأس الى عدة مواضع كلٌ منها مختص بمَلكة فكرية معينة ، وإذا كبر نتوء الجمجمة في هذه المنطقة زاد وضوح الصفة المختصة بها هذه المَلكة ، و إذا ضمر هذا النتوء ضمر معه وضوح الصفة . . وهكذا ، و قد كانت هذه النظرية مبنية على العديد من الأدلة المادية و الملاحظات الشخصية ، ولاقت نجاحا و قبولاً كبيرين ، ثم اكمل عمله من بعده جون جاسبر سبورزيم الذي عكف على دراسة نظرية جول  وطورها وجعلها علما مستقلاً اسماه الفرينولوجي Phrenology او علم فراسة الدماغ ، و إنتشرت الفرينولوجيا في جميع انحاء أوروبا و أمريكا في أواخر القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين ، حتى حمل لواء الفرينولوجيا الأخوان فاولر اللذان حولاه إلى إستعراض ترفيهي أقرب الى الشعوذة مما افقد هذا العلم مصداقيته ومكانته.

الفرينولوجيا
الفرينولوجيا

في عشرينيات القرن العشرين ، كتب الكثير من العلماء العديد من الكتب عن قراءة الوجه و الرأس على اساس علميّ الفيسيونومي و الفرينولوجي واسموه علم الكاراكترولجي Characterology وقد بني هذا العلم على اسس علميه و تشريحية و نفسية ، ومن اشهر من كتب في هذا العلم :

  • ماري اولمستاد ستانتون – كتبت  كتابا عنوانه The Encyclopedia Of Face And Form Reading
  • ليندر هاملتون ماكورمك – كتب كتابا عنوانه Characterology An Exact Science
  • كاثرين بلاكفورد – كتبت كتابا عنوانه Analyzing Character  و قد جمع هذا الكتاب افضل ما في الفيسيونومي و الفرينولوجي معاً.

في اربعينيات القرن العشرين قدم عالم النفس ويليام شيلدون نظريته عن علاقة البنية الجسدية بشخصية الإنسان ، حيث عكف على دراسة العلاقة بين ثلاثة انواع من البنى الجسدية وهي البنية النحيلة و العضلية و البدينة ، و وضح ان لكل منهم سمات مختلفة في الشخصية.

البنية الجسدية Somatotype
البنية الجسدية Somatotype

في ثلاثينيات القرن العشرين ، أخذ قاضي لوس انجلوس إدوارد جونز يلاحظ سلوك الأفراد الذين مثلوا أمامه في المحكمة و يقارن بين الملامح الوجهيه والجسدية وبين شخصية الفرد ، و زاد إعجابه بهذه الملاحظات حتى ترك عمله و تفرغ للبحث في هذا المجال مستعيناً بالفيسيونومي و الفرينولوجي ، وإستند جونز على الأسس العلمية في إختياره لثمانية و ستين سمة في الوجه و الرأس و راحة اليد و بنية الجسم والتي بنى عليها أسس علم الفراسة الجديد الذي عُرف بإسم البرسونولوجي Personology ، و يعتبر جونز هو مؤسس احدث اتجاه أو مدرسة في علم قراءة الوجه ، ثم اكمل روبرت وايت سايد ما بدأه جونز وأضاف اليه و نقحه ، و قام بعمل بحث ميداني على عينة من 1028 شخص ليتحرى مدى دقة سمات الشخصية و العلاقات و برامج تقييم العاملين في الوظائف المختلفة ، و كانت النتيجة أن نسبة الدقة وصلت 92% ، ومنذ عصر وايت سايد و حتى وقتنا هذا و العديد ممن يخضعون لعملية تقييم سماتهم الشخصية عن طريق قراءة الوجه يدللون على صحة هذا العلم.

البيرسونولوجي
البيرسونولوجي

و في وقتنا الحالي يوجد العديد من الكتب عن قراءة الوجه في أوروبا و أمريكا قائم على أساس الفيسيونومي و البرسونولوجي و الفرينولوجي و ايضا علم قراءة الوجه الصيني ميان شيانج.

 أما في الوطن العربي فلا يكاد هذا العلم أن يكون موجوداً ، فتوجد العديد من الكتب التي تحمل عنوان الفراسة و لكنها إما تتحدث عن الفراسة القديمة التي بنيت على اساس نظريات ارسطو و أبوقراط عن قراءة الوجه ، أو انها كتب تتحدث عن علم الكينيسيكز و معرفة الشخصية من خلال لغة الجسد و الإيماءات ، و لكن جدير بالذكر أنه يوجد بعض من المدربين العرب الذين يحاضرون و يعطون دروساً عن تطوير الشخصية  قد درس علوم الفراسة الحديثة من قراءة وجه و لغة جسد و فراسة خط اليد . . الخ ، لكن لازالت هذه العلوم حديثة عهد في الوطن العربي.

سنقوم في هذه المدونة بعمل تجربة جديدة لدمج و رصد الفروق بين علوم قراءة الوجه المختلفة – الفيسيونومي و البرسونولوجي و بعض من صفات الفرينولوجي و الميان شيانج معاً – محاولاً أن أصل إلى أفضل طريقة ممكنة لقراءة الوجه ، و إذا وفقني الله وكان لهذه المدونة العديد من المتابعين ، فسنقوم معاً بعمل إحصائيات حصرية عن السمات و الصفات ألتي سأكتب عنها لنكتشف معاً مدى دقة هذه الطرق و المدارس  في قراءة الشخصية من خلال الوجه.

تابعني على . .

  Secrets Of The Face  - On Facebook Secrets Of The Face - On Google Plus Secrets Of The Face - on Twitter Secrets Of The Face - On Youtube Contact Ahmed Reyad Secrets Of The Face - On Instagram Secrets Of The Face - On Pinterest

Ahmed Reyad

انا مهندس معماري مصري . . أسعى لأن أكون رائد علوم الفراسة الحديثة في الوطن العربي.

14 thoughts on “قراءة الوجه عبر التاريخ

  • 22/12/2012 at 2:25 ص
    Permalink

    احب ان اعرف هل توجد ترجمة هذة الكتب الى العربية واين توجد فى المانيا شكرا كتير لهذة المعلومات القيمة

    Reply
  • 25/03/2013 at 6:50 ص
    Permalink

    مقال رائع وراقي شكرا جزيلا

    Reply
      • 25/04/2013 at 3:13 م
        Permalink

        مدونة تروي العليل . شكرا لجهودك القيمة يا أستاذ أحمد رياض اعجبتني كثيرا الصور الملونة المحتوية على شروحات مختصرة

        Reply
  • 14/12/2013 at 10:28 م
    Permalink

    و ماذا عن القيافة التي كانت مشهورة جدا في عهد النبي (ص)، و اعتمدها الفقهاء بعده حتى في تحديد الأنساب، هل هي من هذه العلوم إن شاء الله؟

    Reply
    • 15/12/2013 at 3:47 م
      Permalink

      القيافة أيضا إحدى جوانب علم الفراسة , و القيافة نوعان :
      قيافة و تقصي الأثر
      و قيافة انساب البشر
      و ما أتحدث عنه في هذا الموضوع هو تاريخ قراءة الوجه فقط و تطورها عبر الزمن.

      Reply
  • 10/01/2016 at 2:33 م
    Permalink

    ماشاء الله هاذا شيء جميل مفيد شكرا على هاذا يا استاذ

    Reply
      • 13/09/2016 at 1:35 ص
        Permalink

        شكرا على هذه التوضيحات و المجهود
        أنا شاب مغربي 33 سنة
        المستوى الدراسي جد متوسط
        كنت أحاول فهم نفسي … بعد البحوت. دخلت لعالم الفراسة لأني وجدتها قريبة جدا من شخصيتي .
        حيت أنني أحكم على الأشخاص اللذين أتعامل معهم من النضرة ألأولى . وأجد على أن فكرتي اتجاههم صائبة.
        ولدية بعض القصص خيالية. متل : عندما رأيت أم زوجتي و جدتها. قلت على أن جدتها ليست أم والدتك. وكان صائبا. حيت كان هدا سرا.
        وكان عندي صديق . له علاقة بفتاة تكدب عليه . وتقول على أنها تعيش بفرنسا . وقلت له إنها تكدب و أنها تشتغل بالبيوت وكان هدا كدالك صائبا. وكما قلت في السطور الأولى بحكمى على الناس و لكن لا أعرف كيف يحصل هدا. و لاحضت على أنني أتعرف على هده الأشياء : بالعين تم العقل تم العقل الباطني تم القرار اللذي أصدره. وعلى حسب تجربتك الكبيرة . أريدك أن تنصحني كيف أسير لكي أطور نفسب وأدقق أكتر .

        شكرا

        Reply
        • 28/09/2016 at 8:57 م
          Permalink

          ما شاء الله .. لديك موهبة فطرية، وهبة ربانية.
          ولكن لا علاقة لهذه الموهبة بما اقدمه هنا على المدونة (العلاقة بين الملامح والسلوك)، ولهذا .. لا اعرف بماذا انصحك.

          Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *